الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
352
أنوار الفقاهة ( كتاب الحدود والتعزيرات )
الحرم جناية أقيم عليه الحد في الحرم فإنه لم ير للحرم حرمة . « 1 » أقول : الاستدلال بالآية ظاهر الجواهر وكشف اللثام والرياض وغيرها ، ولكن قد يقال إن المراد الأمن من التعدي عليه ، واجراء الحد ليس ظلما ولا تعديا عليه . وفيه اشكال واضح فان الأمن من التعدي لا يختص بالحرم بل يجرى في جميع الأمكنة ، فالمراد منه ما يشمل المقام توضيح ذلك : وقع الكلام في مرجع الضمير في هذه الآية « إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ - فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ - وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً » فهل هو بكة « 2 » أو نفس البيت المذكور في أول الآية أو مقام إبراهيم ؟ والأقرب هو الأخير ، فلا ذكر فيها من الحرم كله اللّهم الا ان يقال إن المراد من مقام إبراهيم هنا ليس الموضع المعروف بل المراد هو جميع الحرم كما حكى عن ابن عباس ، والامر واضح بعد اجماعهم على عدم اختصاص حكم الأمن بالمحل المعروف . ثم إن الأمن هل هو الأمن يوم القيامة كما قيل ؟ لا شك في ضعفه ومخالفته لظاهر الآية بل المراد هو الأمن في الدنيا ( أو هما معا ) وعلى هذا الوجه فهل هو اخبار عن امر خارجي وهو كون الحرم مأمونا بحسب طبعه عن وقوع الحوادث الخطيرة فيها ؟ الظاهر عدمه لما ورد في التواريخ من وقوع تلك الحوادث فيها كرارا ، أو المراد كونه كذلك تشريعا ؟ وهو الحق فجعل فيه الأمن ، والكلام وان كان بصورة الاخبار ولكنه في معنى الإنشاء فيجب على جميع الناس رعاية الأمن فيها ، لا بالنسبة إلى آحاد النّاس بل بالنسبة إلى الوحش والطير وغيرها ، فكلهم آمنون بحسب التشريع الإلهي ، حتى أن العرب كانت في الجاهلية تراه آمنا يجتنب عن ما يخالف الأمن حتى إذا رأى قاتل أبيه في الحرم لم يتعرض له . والحاصل ان دلالة الآية ظاهرة على لزوم ترك التعرض للناس في الحرم ولو بحق
--> ( 1 ) - الوسائل ، المجلد 18 ، الباب 34 من أبواب مقدمات الحدود ، الحديث 1 . ( 2 ) - قيل هو البيت أو محله من الأرض أو مع المطاف لازدحام النّاس عليه ، وقيل هو مكة كلها ، والأول أشهر .